المقريزي
159
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
قيسارية جهاركس : قال ابن عبد الظاهر : بناها الأمير فخر الدين جهاركس في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة ، وكانت قبل ذلك يعرف مكانها بفندق الفراخ ، ولم تزل في يد ورثته ، وانتقل إلى الأمير علم الدين أيتمش منها جزء بالميراث عن زوجته ، وإلى بنت شومان من أهل دمشق ، ثم اشتريت لوالدة خليل المسماة بشجر الدرّ الصالحية ، في سنة خمس وخمسين وستمائة ، وهي مع حسنها واتقان بنائها كلها ، تجرّد من الغضب جميع ما فيها ، وذكر بعض المؤرخين أن صاحبها جهاركس نادى عليها حين فرغت ، فبلغت خمسة وتسعين ألف دينار على الشريف فخر الدين إسماعيل بن ثعلب ، وقال لصاحبها : أنا انقدك ثمنها ، أي نقد شئت ، إن شئت ذهبا وإن شئت فضة ، وإن شئت عروض تجارة ، وقيسارية جهاركس تجرى الآن في وقف الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بعد سلار على ورثته . وقال القاضي شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان : جهاركس : بن عبد اللّه فخر الدين أبو المنصور الناصريّ الصلاحيّ ، كان من أكبر أمراء الدولة الصلاحية ، وكان كريما نبيل القدر عليّ الهمة ، بنى بالقاهرة القيسارية الكبرى المنسوبة إليه ، رأيت جماعة من التجار الذين طافوا البلاد يقولون : لم نر في شيء من البلاد مثلها في حسنها وعظمها وأحكام بنائها ، وبنى بأعلاها مسجدا كبيرا وربعا معلقا ، وتوفي في بعض شهور سنة ثمان وستمائة بدمشق ، ودفن في جبل الصالحية وتربته مشهورة هناك ، رحمه اللّه ، وجهاركس بفتح الجيم والهاء وبعد الألف راء ثم كاف مفتوحة ثم سين مهملة . ومعناه بالعربيّ أربعة أنفس ، وهو لفظ عجميّ . وقال الحافظ جمال الدين يوسف بن أحمد بن محمود اليغوريّ : سمعت الأمير الكبير الفاضل شرف الدين أبا الفتح عيسى بن الأمير بدر الدين محمد بن أبي القاسم بن محمد بن أحمد الهكاريّ البحتريّ الطائيّ المقدسيّ بالقاهرة ، ومولده سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة بالبيت المقدّس شرّفه اللّه تعالى ، وتوفي بدمشق في ليلة الأحد تاسع عشري ربيع الآخر سنة تسع وستمائة ، ودفن بسفح جبل قاسيون ، رحمه اللّه . قال : حدّثني الأمير صارم الدين خطلبا التبنينيّ صاحب الأمير فخر الدين أبي المنصور جهاركس بن عبد اللّه الناصريّ الصلاحيّ رحمه اللّه . قال : بلغ الأمير فخر الدين ، أن بعض الأجناد عنده فرس قد دفع له فيه ألف دينار ولم يسمح ببيعه ، وهو في غاية الحسن ، فقال لي الأمير باخطلبا : إذا ركبنا ورأيت في الموكب هذا الفرس نبهني عليه حتى أبصره . فقلت : السمع والطاعة . فلما ركبنا في الموكب مع الملك العزيز عثمان بن الملك الناصر رحمه اللّه ، رأيت الجنديّ على فرسه ، فتقدّمت إلى الأمير فخر الدين وقلت له : هذا الجنديّ ، وهذا الفرس راكبه ، فنظر إليه وقال : إذا خرجنا من سماط السلطان فانظر أين الفرس وعرّفني به . فلما دخلنا إلى سماط الملك العزيز ، عجّل الأمير فخر الدين وخرج قبل الناس ، فلما بلغ إلى